الشيخ محمد رضا مهدوي كني
283
البداية في الأخلاق العملية
اما النية الثابتة ، فهي نية عادة ما تنتهي بالعمل ، اما إذا لم تنته بالعمل ، فلوجود عوائق وعراقيل خارجية لا لأنّ صاحبها لم يلجأ إلى العمل باختياره . ولذلك تعد هذه النية معصية وتوجب العقوبة والمؤاخذة لأنها مصحوبة بالطغيان والتمرد . وعلى ضوء هذا التقسيم للنية ، يبدو انّ المراد بالنية في الحديث « نيّة المؤمن خير من عمله ونيّة الكافر شرّ من عمله » « 1 » ، هذا النوع الثاني ، اي النية الثابتة ، اي تلك النية المنبثقة في المؤمن من روح الايمان ، وفي الكافر من طبيعة الكفر والالحاد . بتعبير آخر : نيّة المؤمن العميقة المتجذّرة أفضل من عمله ، ونية الكافر المتأصلة أسوأ من عمله ، لأنّ وجود هذا النوع من النية لدى المؤمن دلالة على النورانية والصدق والايمان ، ولدى الكافر دلالة على العناد والكفر والعتوّ . وانطلاقا من ذلك ، يتضح لنا موقع الحب والبغض في حديثي « من أحبّ عمل قوم اشرك في عملهم » و « الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم » . أي انّ المقصود بالحب والبغض والرضا والسخط ليس المشاعر العابرة ، بل تلك الحالات النفسية المنبعثة من اعماق الروح والمزيجة بهوية المرء وشخصيته . وعلى هذا الأساس ، من يرض بعمل قوم ويفرح به ، انما يعبّر عن تجانسه وتشاكله معهم ، ولا جرم في مساهمته معهم في الآثار الوضعية . 6 - رغم انّ العمل مؤثر في المعايير الأخلاقية ، إلّا انّ الاصالة من نصيب النية والباعث ، على العكس من المعايير الحقوقية والقانونية التي تنظر إلى النية كأمر جانبي وإلى العمل كأمر أصيل وجوهري « 2 » . فلو قتل أحدهم شخصا بدافع العداء الشخصي ، ثم ظهر انّ القتيل كان مهدور الدم ، فلا قصاص ولا دية على القاتل من وجهة النظر القانونية ، ولكن هذا القاتل جدير باللوم والعقوبة من وجهة النظر الأخلاقية لأنّ ما قام به وان كان غير قبيح
--> ( 1 ) أصول الكافي ، ج 2 ، ص 84 . ( 2 ) تلعب النية دورا جانبيا في القضايا الحقوقية إذا لم تنته بعمل ، إلّا انها تلعب دورا أساسيا في كثير من الأحيان إذا انتهت إلى عمل .